Mouvement Ettajdid حركة التجديد

الصفحة الأساسية > عربي > ثقافـة و فـنون > غرامشي والمسألة اللغوية

غرامشي والمسألة اللغوية

السبت 29 آذار (مارس) 2008

جريدة "الطريق الجديد"

ندوة "غرامشي والثقافة والمثقفون"

تونس، دار الثقافة المغاربية "ابن خلدون"

الجمعة 28 مارس 2008

مداخلة أحمد إبراهيم

غرامشي والمسألة اللغوية


سأتناول تباعا في هذه المداخلة محاور ثلاث متعلقة:
أولا: بالمسالة اللغوية عند غرامشي منظورا إليها من زاوية مدى اندراجها في النظرية الماركسية
ثانيا: بارباط رؤية غرامشي للمسألة اللغوية بمجمل مقاربته وخاصة بمفهوم "الهيمنة"
ثالثا: ببعض الاشكاليات التي سأطرحها في قالب تساؤلات حول التأثيرات الغرامشية على متطلبات السياسة اللغوية اليوم.

  • 1) ’غرامشي’ والمسألة اللغوية في علاقةة النظرية الماركسية

أ- سأنطلق هنا من سؤال بسيط وهو: هل يوجد تمش نظري خاص بالماركسية في تناول إشكاليات اللسان واللغة؟ هذا السؤال لا يبدو في الحقيقة مطروحا بهذه الصيغة بالنسبة إلى ’غرامشي’ ، وليس في ذلك أية غرابة لأن المسألة اللغوية لا تشكل في أمهات النصوص> الماركسية الكلاسيكية مسألة قائمة بذاتها في استقلال عن حقول أخرى وفي مقدمتها حقل دراسة الإيديولوجيا. فلا ملاحظات ’انجلس’ في كتابه "جدلية الطبيعة"حول أصل اللغة تختلف جوهريا عن المتداول في عصره، ولا ما أورده ’ماركس’ في كتاب "الإيديولوجيا الألمانية" حول العلاقة بين اللغة والإيديولوجيات، ولا ما جاء عند ’بليخانوف’ من رؤية لاستعمال اللغة كنشاط ايديولوجي، ولا في أشارات ’لافارج’ عن علاقة اللغة وخاصة منها القاموس بالسياسة، تشكل منظومة نظرية ماركسية خصوصية في المجال اللساني.بل ويمكن القول بأن الفهم السائد لنظرية ’الانعكاس’ في الفلسفة الماركسية الكلاسيكية - بما في ذلك عند ’لينين’ - يؤدي عموما إلى إعطاء الأسبقية للمحتوى على حساب الشكل، أي على حساب ما سيكون، في مصطلح ’دي سوسير’، ’الدال’ في تقابله مع ’المدلول’ . كما يبدو واضحا أن التحولات المعرفية الجذرية التي طرأت على علوم اللسان قد كان لها تأثير ضعيف على التفكير الماركسي في المسألة اللغوية، الذي ظل قريبا من رؤى ’مايييه’ السوسيولوجوية ولم يدمج في تحاليله مفاهيم البنيوية اللسانية الناشئة في بداية القرن الماضي. وحتى المحاولات التي تمت في روسيا على يد أعضاء ما يعرف بحلقة ’باختين’ وخاصة منهم ’فولوسينوف’ (صاحب كتاب "الماركسية ومسألة اللغة" الصادر سنة 1929) لم يتسن لها أن تتواصل أو أن يكون لها امتدادات جدية في الاتحاد السوفياتي الذي بدأت تسيطرعليه - من ذلك التاريخ حتى صدورمقال ستالين حول المسألة اللغوية سنة 1950 - النظرية ’المرية’ (نسبة إلى عالم الاثنوغرافيا ’نيقولاي مر’) تلك الرؤية المتأثرة بالعلموية والبفلوفية والتي تنزل اللغة في إطار التناقض بين "العلم البروليتاري" و"العلم البرجوازي" وتنظر إلى اللغة كبنية فوقية تعكس البنية التحتية الاقتصادية بحيث لا يمكن للغة إلا أن تكون طبقية في مجتمع طبقي.

ب - إذن، وفي غياب نظرية لسانية متكاملة خاصة بالماركسية، فيم تكمن يا ترى إضافة ’انتونيو غرامشي’ وطرافة تمشيه؟

من البديهي أنه بحكم انخراط غرامشي كليا في النضال السياسي منذ سنة 1915 ودخوله السجن من سنة 1926 حنى وفاته سنة 1937 لم يكن لديه إلا إمكانيات موضوعية محدودة في الاطلاع على الكتب والمنشورات ولم يكن في استطاعته بالتالي أن يكون على معرفة بالتطور الحديث في مجال علوم اللسانيات. فما كتبه عن اللغة يستند اساسا إلى التكوين الفيلولوجي (أي في فقه اللغة التقليدي )الذي تلقاه بكلية ’تورينو’ حيث كان مغرما شديد الغرام بعلوم اللغة وكان يطمح إلى التخصص فيها، وهي هواية ظلت قوية عنده باستمرار إلى حد أننا نجدها تسري في كل النصوص التي تضمنتها ’كراسات السجن’ خاصة منها دراستان كتبهما بسجن ’توري’ (قرب ’ ’باري’ )عام 1930 أولاهما حول ’ تنظيم المدرسة والثقافة’ والثانية تحمل عنوان ’ من أجل البحث عن مبدأ تربوي’ كما تحتل المسألة اللغوية كامل الكراس رقم 29 الذي كتبه بسجن ’فورنيا’ سنة 1935 وعنوانه ’اللغة الوطنية والنحو’، وهو الذي اتخذته مرجعا رئيسيا في هذه المداخلة.

ج) وسواء أدخلنا هذه الظروف في اعتبارنا أو نظرنا إلى أعمال ’ غرامشي’ في حد ذاتها، فإن ما يلفت الانتباه في تحاليله هو حرصه الثابت على تنويع الزوايا التي ينظر منها إلى المسألة اللغوية والاهتمام بكل تعقيداتها حتى تلك التي تستكن في تفاصيل قد تبدو ثانوية للوهلة الأولى. فلئن نراه يلح على أن "اللغة تتغير في نفس الوقت الذي تتغير فيه الحضارة كلها بفعل دخول طبقات جديدة إلى الثقافة والهيمنة التي تمارسها لغة وطنية معينة على لغات أخرى وغير ذلك من الأسباب" ويؤكد في جميع المناسبات تقريبا على "تاريخية الظاهرة اللسانية"، فإنه يوضح أيضا أنه ليس بإمكان "أي وضع تاريخي جديد حتى إذا سلمنا بأنه ناتج عن أكثر التحولات تجذرا أن يغير اللغة تغييرا كاملا على الأقل في ما هوظاهر وشكلي من جوانبها". ولا يسمح المجال هنا باستعراض معالم الجدة وعمق التحليل اللساني الصرف الذي كثيرا ما يلتقي رغم اختلاف المفاهيم والمصطلحات مع جوانب كانت ولا تزال سمات هامة لعلوم اللسان الحديثة والمعاصرة، وقد سبق لي أن لفت النظر إلى أهميتها بالنسبة للمختصين في هذا الحقل الدراسي في الندوة التي نظمت في نادي الطاهر الحداد عام 1991 ونشرت بمجلة "كراسات تونسية" عام 1996. لذلك سأكتفي هنا بالتكيد على أن علوم اللغة، وإن كانت تحتل مكانة كبيرة في اهتمامات غرامشي بل تتنزل تنزلا عضويا في تمشيه الفكري، إلا أنها تلعب دور زاوية من زوايا النظر الفلسفية دون أن تمثل بحق وفي حد ذاتها حقلا دراسيا مستقلا. زاوية النظر- أو بالأحرى زاوية القراءة – هذه تبدو متشكلة حسب رؤى واعتبارات منهجية مستقلة نسبيا عن منظومة المفاهيم المركزية للكلاسيكيات الماركسية ولعل المكانة السائدة التي تحتلها الإشكاليات الثقافية في فكر غرامشي تجعله أقرب، على الأقل على الصعيد السياسي، مما يسمى "الماركسية النمساوية" (’l’austro-marxisme) لكارل رينر أو ’ أوتو باور’ - رغم ما نقرؤه عنده من انتقاد لباور و’ماكس أدلر’ ولمحاولتهما تعويم طرافة الماركسية بالتأليف المزعوم بينها وبين فلسفة ’كانط’- طالما أن هذا التياريبدو قد جعل في طليعة اهتماماته انفتاح الماركسية على قضايا علم النفس الجماعي وتاريخ الذهنيات وقضايا الثقافة بوجه عام. ولكن وجه الشبه يقف عند هذا الحد، لأن الاهتمام بالقضايا اللغوية هو كما قلت جزء لا يتجزأ من منظومة نظرية مرتبطة لا محالة بالتوجه المنهجي العام للماركسية كأداة حية للتحليل الجدلي المستند إلى الواقع ومتطلبات تغييره، لكنها منظومة لها ذاتيتها وهي متكاملة في مفاهيمها والأدوات الابستمية التي تستعملها مثل مفهوم ’الهيمنة’ وغيرها من مفاهيم ’فلسفة البراكسيس’ بوصفها اتجاها له خصوصياته النظرية والعملية في آن وليست كما قيل أحيانا مجرد تغليف مصطلحي ركن إليه ’غرامشي’ لإنقاذ كراساته من رقابة السجان.

د- إلا أن الاعتراف بهذه الخصوصية الحقيقية للنظرية الغرامشية لا يعني أنها عديمة الصلة او ذات صلة ضعيفة بالمدرسة الماركسية، وغرامشي نفسه كثيرا ما يؤكد أن مفهوم الهيمنة نتاج لاستيعاب حقيقة التمشي الفكري الماركسي خاصة منه ما يتعلق بمفهوم البنى الفوقية التي هي بعيدة كل البعد عن أن تكون في علاقة ميكانيكية بالبنى التحتية. فعندما يصف ماركس البنى الفوقية كمظاهر (apparences) فإنه ينبغي في رأي غرامشي اعتبار ذلك كنوع من التبسيط البيداغوجي الذي يستعمل الاستعارة والمجاز لتسهيل فهم التحليل الجديد للمجتمع من قبل الجمهور الواسع. وفي نظر غرامشي فإن ماركس يريد باستعماله كلمة "مظاهر" أن يبين تاريخية البنى الفوقية الأخلاقية والسياسية والثقافية والإيديولوجية في تعارض مع المفاهيم الدغمائية كتلك التي ينتقدها غرامشي عند كروتشي أو حتى عند بوخارين والتي تنزع إما إلى اعتبار البنى الفوقية مطلقة إو لى اعتبارها مقيدة تقيدا آليا بالبنى التحتية. هذا من حيث العلاقة مع ماركس، أما فيما يهم دين غرامشي إزاء لينين فهو ايضا واضح ومعترف به من قبله لأن الكلمة نفسها مأخوذة من لينين مع التنبيه إلى نها لا تعني نية فرض السيطرة بل تأكيدا على قدرة أعلى على فهم التاريخ وإيجاد الحلول للمشاكل التي يطرحها تطوره بعيدا عن كل اختزال ميكانيكي وعن كل رؤية تسلطية لوظيفة الطبقات السائدة القديمة والجديدة. بحيث يؤكد غرامشي أن هذه الطبقات إذا فقدت الهيمنة الثقافية والفكرية والأخلاقية فإنها تضيع وظيفتها القيادية وتعوضها بوظيفة تسلطية وتدخل بذلك طورالتدهور او الانهيار.

فما هي العلاقة التي تربط بين إشكالية اللغة ومفهوم ’الهيمنة’؟ هذا ما سأتعرض إليه بإيجاز في الجزء الثاني من هذه المداخلة.

  • 2) اللغة ومفهوم ’الهيمنة’

نقرا في الكراس 29 ما يلي: " كلما طفحت المسألة اللغوية على السطح بشكل أو بآخر فإن ذلك يعني أن جملة من المشاكل الأخرى بصدد الطرح ، كعملية تشكل الطبقة السائدة وتوسعها وضرورة ترسيخ علاقات اكثر حميمية وأكثر صلابة بين المجموعات القيادية والجمهور الوطني الشعبي أي إعادة تنظيم الهيمنة الثقافية". ويبدو لي أنه بالإمكان تناول هذه العلاقة بين المسألة اللغوية وسيرورة تشكل الوفاق حول الدور القيادي للطبقات السفلى الطامحة إلى إزاحة الطبقات العليا (أي البورجوازية وحلفائها ) وأخذ مكانها في إدارة الشؤون العامة من زاويتي نظر متكاملتين: زاوية اجتماعية وزاوية وطنية مندرجتان كلاهما في إطار سياسة ثقافية محددة.

أ- فالواضح من وجهة النظرالأولى أنه، لما كانت عملية التغيير المجتمعي يجب أن يضطلع بها ما يسميه غرامشي "المثقف الجماعي"- أي حزب الطبقة العاملة- يصبح من الضروري أن يتحول العمال إلى مثقفين بوصفهم أعضاء قياديين في هذا المثقف الجماعي. ومن هذه الزاوية يرى غرامشي في اللغة ليس فقط "تعبيرا عن الصراعات من أجل الهيمنة السياسية والثقافية بل أيضا رهانا لتلك الصراعات"، لأن المهمة المطروحة هي مكافحة كل ما ينزع إلى الإبقاء على الجماهير بعيدا عن الثقافة في المدرسة وفي المجتمع بالعمل على تحقيق تمكن العمال والفلاحين في كامل التراب الإيطالي من اللغة الوطنية. هذا الهاجس هاجس قار في مختلف الكتابات السابقة للكراس 29 مثل الدراسة التي كتبها بين 1931 و 1934 بعنوان "مقدمة لدراسة الفلسفة" حيث يقول:" الذين لا يتكلمون إلا لهجتهم العامية أو يفهمون اللغة الوطنية فهما تقريبيا يتشاركون في رؤية للعالم هي بوجه أو بآخر محدودة ومحلية متكلسة أو تجاوزها الزمن في مقابل التيارات الفكرية الكبرى السائدة في التاريخ العالمي... وإذا لم يكن دائما يالإمكان تعلم عددا من اللغات المختلفة فإنه ينبغي على الأقل تعلم اللغة الوطنية تعلما جيدا"

ب- أما من وجهة النظر الثانية أي الزاوية الوطنية فإن المكانة المركزية للمسألة اللغوية أمر بديهي في بلد وحدته الوطنية بصدد التكون أو بصدد التعزز وهي وحدة يوليها ’غرامشي’ اهتماما كبيرا في جميع كتاباته حيث يلمس القارئ في كل صفحة تقريبا عمق استيعابه للتراث الثقافي الإيطالي الذي يجعله ينتبه انتباها خاصا إلى دور المثقفين (بالمعنى التقليدي للكلمة) من أمثال ’مانزوني’ صاحب رواية ’الخطيبان’ (i promessi sposi) الشهيرة في توسع الثقافة الوطنية خلال القرن 19 وفي الإقرار التدريجي لهيمنة اللهجة التوسكانية التي أصبحت لغة وطنية، كما يلمس القارئ تعلقه بالهوية الوطنية المتجسمة في اللغة تجاه اللغات الأخرى في الخارج وتجاه قوى التصدع التي يمكن أن تتحول إليها اللهجات المختلفة جدا من الشمال إلى الجنوب في شبه الجزيرة الإيطالية نفسها وفي جزيرتي صقلية و صردينيا، مسقط راسه حيث اللهجة، أي لغته الأم، هي ابعد اللهجات عن اللغة الوطنية.

ج- لكن لا يجب أن يتبادر إلى الذهن أن معارضة غرامشي للمنهج التربوي المسطر من قبل الحكومة الفاشية ووزير التعليم فيها ’جنتيلي’ والمبني على مفهوم شعبوي يعتمد التلقائية المثالية وتأكيده في تقابل مع تلك المنهجية على منهجية تعتمد تدريس النحو في إطار التخطيط لسياسة ثقافية وطنية، لا يجب أن يتبادر إلى الذهن – قلت – أن هدف التوحيد اللغوي هدف يفرض من فوق من المركز على الهوامش بل هو هدف يتحقق كنتاج لتوافق حول طبيعة اللغة الوطنية وطريقة الوصول إلى نشرها وضمان دوامها وتطورها حتى تكون ’هيمنتها’ محل اقتناع وإجماع تلقائي شامل. وهذا يعني أنها لا ينبغي النظر إليها في تضاد أو تنافر مع اللهجات بل في علاقة تلاقح جدلية وتكامل وظيفي. فغرامشي المعجب كما قلت بمانزوني لا يمنعه إعجابه به من نقد تصوره للتوحيد اللغوي نقدا حازما ملفتا النظر إلى الطابع الاصطناعي في محاولة مانزوني عندما عين سنة 1868- أي سبع سنوات فقط بعد التوحيد السياسي لإيطاليا - رئيسا للجنة مكلفة بتوحيدها لغويا أن يفرض اللهجة التوسكانية (والفلورنتية تحديدا) من فوق، كما لا يمنعه حرصه على الوحدة اللغوية من مراعاة خصوصية اللهجات وضرورة اعتمادها في السنوات الأولى، هذا ما يبرز جليا في مراسلاته إلى عائلته في صردينيا وإلى زوجة أخيه التي ينصحها بتعليم حفيده بالصردية في تكامل مع اللغة الإيطالية المشتركة.

د - وهكذا يبرز تأثيرالمفهوم الغرامشي للهيمنة في تناوله للسياسة اللغوية على فهم وتحليل الطريقة التي تمارس بها المجموعات السائدة سلطتها عبر تنظيم قبول تلك السلطة عن طوعية و’طيبة خاطر’ من مجموع المحكومين، وفي المقابل لعبت قضية توحيد اللغة كوسيلة تعبير ورمز للهوية المشتركة بين جميع الإيطاليين على اختلاف لهجاتهم ووسيلة ارتقاء ’الطبقات السفلى’ (les classes subalternes) كما يسميها إلى الثفافة واكتسابها القدرة على إبراز مثقفيها ’العضويين’ من صلبها دورا هاما في صياغة مفهوم ’الهيمنة’ ذاته. هذا التوحد اللغوي يشكل دونما شك عملية معقدة تتم في علاقة جدلية بتطور الظروف الموضوعية الاقتصادية والاجتماعية والظروف السياسية السانحة لحرية الاختيار والرفض والقبول والمعارضة والسانحة بالتالي لاعتمال جدلية التعدد والوحدة وجدلية الخاص والعام بوصفهما شرطا أساسيا لنجاح التوافق الذي هو من جهته مقوم حيوي للهيمنة بمعناها الغرامشي.

تلك بعض الجوانب من إشكالية اللغة في المنظور الغرامشي اكتفيت بالإشارة إليها دون دخول في تفاصيلها وتشعباتها تأقلما مع عامل الوقت. وبما أنه يمر بسرعة لا ترحم فسأخصص ما تبقى لي منه إلى التوسع في المسألة بطرح بعض الإشكاليات في قالب تساؤلات حول حيوية المقاربة الغرامشية في عالم اليوم تونسيا وعربيا وعالميا.

  • 3) المقاربة الغرامشية للمسألة اللغوية وبعض التحديات الراهنة

أ- تونسيا: ما من شك في أن إشكاليات عديدة ما زالت في حاجة إلى التحليل المعمق ومنها خصوصية المكانة التي تحتلها المسألة اللغوية في تشكل الوعي الوطني والهوية الوطنية ودور العربية في صقل تلك الهوية عبر معركة الوجود في تضاد مع لغة المستعمر وهي المعركة التي استمرت عبر طرح ضرورة التعريب ولكن في ظل واقع ازدواجية اللغة في النخبة التي قادت الحركة الوطنية ثم في المجتمع والتعايش المتناقض والمتكامل في آن بين مستوى الفصحى ومستوى العامية أو العاميات وبروز مستوى ثالث وسيط هو عبارة عن خليط أو تأليف غير مستقر بين الدارجة والفصحى إلى جانب خليط آخر بين اللغة الدارجة واللغة الوسطى من ناحية والفرنسية من ناحية أخرى، كل هذه الظواهر غير المستقرة التي تعتمل في المجتمع تحتاج إلى مقاربة جدلية من أجل تحديد معالم سياسة لغوية وطنية واضحة تعتمد تعزيز الهوية عبر تطوير التعريب في علاقة مع تطوير التمكن من الفرنسية والانكليزية ولغات أخرى تضمن انفتاحنا على العالم ومع النظر إلى العربية بوصفها كائنا حيا في واقع ديناميكي يتأثر به ويؤثر فيه ، إلى غير ذلك من المسائل المعقدة التي اعتقد أن المفهوم الغرامشي للثقافة الوطنية والشعبية وسيرورة تشكلها وتطورها في ظل التوافق المبني على الديمقراطية يساعد على تناولها وحلها الحل الإيجابي.

ب- عربيا: انطلاقا من أن الانتماء العربي جزء أساسي من الهوية الوطنية التونسية واعتبارا لما يفرضه عصر التكتلات الكبرى علينا كعرب من ضرورة التكامل في اتجاه التوحد وللدور الحيوي للغة والثقافة في هذا المسار، فإن المقاربة الغرامشية المرتكزة على إقرار الحاجة إلى التوحد في الواقع المعيش وفي الوعي الشعبي والاقتناع بها اقتناعا حقيقيا مبنيا على حرية الاختياروهو ما يتناقض مع التسليط الفوقي والإكراه والاستخفاف بالخصوصيات الأثنية والثقافية للمجموعات غير العربية في كثير من الأقطار ونزعات الانغلاق ومعاداة الآخر وتغييب البعد الإنساني والكوني الذي لا تستطيع بدونه أية ثقافة وطنية أو قومية أن تضمن لنفسها الاستمرارية والتطور نحو الأرقى وتقنع العالم بأسره بدورها في إثراء الحضارة الإنسانية ولا يخفى ما للعربية في هذا الشأن من مواطن قوة تستمدها من احتلالها المرتبة السادسة أو الخامسة من حيث عدد الناطقين بها ومن ارتباطها بالإسلام وهي مواطن قوة تعطيها دونما شك إمكانيات إشعاع قلما امتلكتها لغات أخرى.

ج- عالميا: ما من شك في أن عصر الليبرالية المعولمة يطرح من جهته تحديات جديدة ليس أقلها ارتباط الأشكال الجديدة للامبريالية ليس فقط بما سمي صراع الحضارات لكن أيضا وبالخصوص بالجانب اللغوي وبما يتغنى به بعض الليبراليين من ضرورة اعتماد الأنكليزية المعولمة (global english) كلغة ’كونية’ وهم يستندون في ذلك إلى أن الانكليزية يستعملها اليوم بقدر أو بآخر - حسب بعض الإحصائيات - قرابة المليار من الناس وهو عدد سيتضاعف في أفق سنة 2015 بينما لم يكن عدد الناطقين بها يتجاوز ال 250 مليون شخصا سنة 1952. ألم يذهب أحد الباحثين الهنديين إلى اعتبارها لغة آسيوية؟ والملفت للانتباه أن الارتكاز النظري إلى المقاربة الغرامشية نجده في نفس الوقت عند المنادين بال global English وعند المعارضين له. ويستند هؤلاء المعارضين مثلا إلى النقد الحاد الذي ما انفك يوجهه غرامشي إلى دعاة الاسبرنتو(esperanto) – وهي لغة اصطناعية عبارة عن تأليف مبسط لأكبر اللغات الأوروبية اخترعها البولوني ’زامنهوف’ في أواخر القرن 19 وما زال لها أنصار حتى اليوم – كما يستندون إلى فكرة يؤكدها غرامشي باستمرار وهي أن اللغة ليست فقط أداة اتصال بل هي أيضا وبالخصوص مؤسسة مرتبطة بالثقافة وبالرؤية إلى العالم بحيث يكون فرض لغة أجنبية هي في قضية الحال لغة القوة الأعظم فرضا لقيم ومعتقدات وهوية معينة.

وفي ختام هذه المداخلة أرجو أن اعتذر عن السكوت عن عديد الإشكاليات المرتبطة بالمسألة اللغوية عند غرامشي مثل مقولاته عن طابعها المتحرك والمتعدد المستويات وعلاقة التوتر والتكامل بين النحو المنمط وما يسميه النحو التلقائي والعلاقة بين الاختيارات التعبيرية وأنماط الثقافة والحياة ومدى تأثيرممارسته اللغوية كصحافي وقائد سياسي في الحركة الثورية الناشئة كانت تواجهه باستمرار ضرورة الاهتداء إلى خطاب سياسي ونظري جديد، قادر على التماشي مع الأفكار الجديدة والاجتهادات التحليلية المتحررة من ضغوط اختيارات الأممية الثالثة وفي نفس الوقت إلى خطاب يكون مفهوما وواضحا للجماهيرالمعنية بتجذره في الموروث الثقافي الوطني وقادرا على الـتأثير الإيجابي على الصعيد الوطني وهي كلها نقاط تحتاج - كما تحتاج الإشكاليات التي طرحتها هنا بسرعة تلامس التسرع – إلى مزيد التعمق والمناقشة،
والسلام.

أحمد إبراهيم

SPIP | دخول | خريطة الموقع | متابعة نشاط الموقع RSS 2.0
Habillage visuel © Andreas Viklund sous Licence free for any purpose