Mouvement Ettajdid حركة التجديد

الصفحة الأساسية > عربي > ثقافـة و فـنون > حديث محمد شريف الفرجاني على جريدة "المساء" المغربية

آراء في تاريخ الأفكار و الإسلام السياسي

حديث محمد شريف الفرجاني على جريدة "المساء" المغربية

الجمعة 11 نيسان (أبريل) 2008

محمد الشريف الفرجاني: أستاذ جامعي في قسم الدراسات العربية، في جامعة ليون الثانية وهو باحث في وحدة البحث والدراسات حول المتوسط والشرق الأوسط في نفس الجامعة، متخصص في تاريخ الأفكار والمؤسسات الدينية والسياسية في العالم العربي، ويعتمد المقاربة التاريخية والدراسة المقارنة للأنساق الدينية والسياسية.


س : بداية نود منك الأستاذ الفرجاني تعريفنا بمجال تخصصك ومدار أبحاثك الأكاديمية ؟

مجال تخصصي هو تاريخ الأفكار والمؤسسات الدينية والسياسية، ودراستي في الدكتوراه كانت حول "العلمانية وحقوق الإنسان في الفكر السياسي العربي المعاصر"، وقد تم نشرها تحت عنوان : "الإسلام السياسي والعلمانية وحقوق الإنسان" (أفضل ترجمة Islamisme بالإسلام السياسي عوضا عن ترجمات أخرى).

مدار انشغالي الأساسي كباحث هو السؤال التالي : هل هناك خصوصية إسلامية، أو استثناء إسلامي، كما يقال، بالنسبة للعلاقة بين الديني والسياسي ؟ فمن المسلمين، وخاصة من منظري الإسلام السياسي المعاصر، وبعض المختصين في الدراسات الإسلامية، من يقول بهذه الخصوصية ويعتبرالربط بين الديني والسياسي سمة إسلامية لا نظير لها في باقي الأديان. ومما يردد في هذا الصدد أنه " لا يوجد في الإسلام نظير لقولة المسيح، أعط لقيصر ما لقيصر وأعط لله ما لله"، وأن نبي الإسلام كان قائدا روحيا وعسكريا، خلافا للمسيح الذي مات مصلوبا ولم يتحمل مسؤولية سياسية، وأن نبي الإسلام أسس دولة إسلامية ... إلخ. فأعمالي عموما مدارها القضايا المتصلة بهذه الأطروحات لتبين مدى صحتها أو خطئها.

وقد رأيت من الضروري الرجوع إلى الوقائع التأسيسية للإسلام للإجابة على تساؤلات مثل : هل نجد في هذه الوقائع نموذجا أو أساسا لما يسمى الدولة الإسلامية ؟ وهل نجد أساسا لا جدال حوله للترابط بين الديني والسياسي؟ وإلى أي حد يمكن القول إنه لا وجود لنظير مقولة المسيح في الإسلام ؟ وهل هذه الأخيرة كانت تعني دائما الفصل بين الديني والسياسي أم كانت لها معان أخرى؟...

كانت نتيجة أبحاثي أن القولة المنسوبة للمسيح لم تمنع الترابط بين الديني والسياسي طوال قرون طويلة في الفضاءات المسيحية، ولم تفهم دائما على أنها تعني الفصل بين الديني والسياسي، بقدر ما استعملت لإضفاء القداسة على السلطة، وهو ما تؤكده رسالة "بولس" إلى أهل روما، حيث يدعو إلى طاعة السلطة أيا كانت، لأن كل سلطة مصدرها الله، ولأن الحاكم ظل الله في الأرض...إلخ. فمتى أصبحت هذه المقولة تعني الفصل؟

لا أعتقد أن البابوات كانوا يرون في هذه القولة أساسا للفصل، بل لا أعتقد بأن البابا اليوم يقرؤها على هذا النحو. وعندما وقع الفصل بدأت الكنيسة بمعارضته باعتباره دعوة لقيام دولة بدون إله ومن ثمة بدون أخلاق وبدون قيم. ولما أصبح الفصل واقعا لا مناص من التعامل معه، أصبحت هذه القولة تقرأ على أنها تأسيس مسيحي للفصل. ومن يقرأ القرآن بتجرد مما فرضته المنظومات الفقهية العقائدية، يجد نظيرا لهذه القولة في ما يسميه الفقهاء بآية الأمراء  أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم. فقد استعملت إلى حد الآن لإضفاء القداسة على السلطان باعتبار أن من لا يطيع أولي الأمر لا يطيع الله ورسوله.

ومنذ نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين وجد من المسلمين من يرى في آية الأمراء، مثل علي عبد الرازق، أساسا للفصل بين الديني والسياسي. وأولت في نفس الاتجاه أحاديث مثل " ما كان من أمر دينكم فإلي وما كان من أمر دنياكم فأنتم أعلم به" وآيات مثل : فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر إلخ. لكن أنصار هذه القراءات مازالوا أقلية في العالم الإسلامي، لأن السلطة مازالت تسند شرعيتها بالدين، ولأن انعدام الديمقراطية يجعل الحكام يفتقرون إلى شرعية أخرى غير تلك الشرعية التقليدية. وعندما نقرأ نصوص ما يسمى بالمسيحية السياسية في بداية القرن العشرين وإلى نهاية الحرب العالمية الثانية، نجد نفس الحجج التي تعارض على أساسها حركات الإسلام السياسي الديمقراطية والعلمانية وحقوق الإنسان، مثلما نجدها في نصوص اليهودية السياسية ومختلف القراءات لكل التقاليد الدينية التي جاءت كرد فعل رافض للحداثة وللدعوة إلى شرعية جديدة تستند على إرادة الشعب. وكما هو الحال في كل المنظومات الفقهية العقائدية، ولدى كل السلطات التي تنصب نفسها حارسة للأديان، تمت معارضة هذا التصور الجديد لعلاقة الديني بالسياسي بمثل ما عورض به ظهور أي فكرة جديدة : تقابل بالرفض في البداية على أساس القول بخطئها. وعندما لا يجد حراس المنظومات العقائدية الحجج الكافية لدحضها يقولون إنها معارضة للدين. ثم لما تصبح من المسلمات يقولون إن الدين لا يعارضها ويحملون مسؤولية رفضها باسم الدين للتأويلات الخاطئة ويشرعون في تقديم قراءات تجد في الدين أساسا لها. وتاريخ الأديان حافل بالأمثلة على تكرر هذا الموقف. فعندما تم إلغاء العبودية في القرن التاسع عشر في الدولة العثمانية، أو في الإيالات التابعة لها مثل تونس، وفي غيرها من البلدان، عارض الفقهاء هذا القرار ورأوا فيه مخالفة للشريعة، ثم صاروا فيما بعد يقولون بأن الإسلام هو الذي حرر العبيد وألغى الرق خلافا لما كانوا يقولون في القرن التاسع عشر وإلى حدود ستينيات القرن العشرين.

ونجد نفس التعامل في قضايا مثل تعدد الزوجات. ولعل أحسن مثال في هذا الصدد مواقف زعيم حركة النهضة في تونس "راشد الغنوشي". فقد طالب في البداية بمراجعة مجلة الأحوال الشخصية خلال الثمانينات باعتبارها مخالفة للشريعة. وعندما قوبل موقفه بردود فعل قوية اخترقت صفوف حركته، اضطر إلى تغيير موقفه قائلا إنه لم يطلب ذلك للرجوع إلى نظام تعدد الزوجات، ونظام التطليق الأحادي، وإنما لتجاوز ما أبقت عليه من حيف تجاه المرأة، وإن ما جاء فيها هو تأويل ممكن للشريعة !

وما توصلت إليه من خلال البحث التاريخي المتعلق بالأفكار والمؤسسات الدينية والسياسية، يبين أن ما يقدم على أنه نظام الحكم في الإسلام إنما هو اختزال لمجموعة من التصورات المتباينة، بل والمتنافرة، التي ظهَرت تاريخيا في ظل الصراعات بين مختلف الفرق والسلط التي أرادت فرض وصايتها على المجتمعات الإسلامية. ففي ظل هذه الصراعات تبلورت، على سبيل المثال، مفاهيم الجهاد والفتنة ودار الحرب ودار الإسلام والإمامة أو الخلافة، الخ. وأصبحت هذه المفاهيم تقدم اليوم وكأن الإسلام لا يمكنه أن يوجد بدونها.

إن وظيفة البحث العلمي هي إبراز كيفية ظهور هذه المفاهيم وكيفية تطورها عبر التاريخ، ذلك أنها، فضلا عن كونها ليست من الوقائع المؤسسة التي لا قيام للإسلام من دونها، لم تبق على ما كانت عليه حين ظهورها، بل عرفت تطورات واكبت المشاكل والمتغيرات التي عاشتها المجتمعات الإسلامية.

س: إن الأفكار ومجموع المعارف الدينية الآن والتي تضفى لها صبغة الشرعية، في مضمون كلامك يعتبر الإنسان هو الصانع الحقيقي لها، وهي ملتصقة بحيثيات حياته ومعاشه...إلخ. هذا التلابس ظهرت العديد من الدراسات التي نادت بمراجعته والفصل بين حدوده وتبيينها، لكن لماذا في نظرك لاتزال مثل هذه الدعوات في العالم العربي والإسلامي لم تلق بعد التجاوب المطلوب بل وتعارض بشكل احتقاني بعيد عن التأمل والدراسة؟

أعتقد أن المشكلة مرتبطة بما تعيشه المجتمعات الإسلامية منذ القرن التاسع عشر عندما واجهت المجتمعات الإسلامية تحديات حداثة لم تشارك في صنعها ولم تواكب أطوارها. ونجد أثر هذه التحديات في أعمال رفاعة الطهطاوي، الذي يمثل بالنسبة لي المؤسس الحقيقي للفكر الإصلاحي، قبل محمد عبده وجمال الدين الأفغاني. فقد كان أول من نظر للتوفيق بين الانتماء إلى مصر وإلى الفضاء العربي والإسلامي، وبين الحداثة كما تبلورت في الفضاء الأوروبي. وقد ذهب كإمام لبعثة من الطلبة المصريين إلى باريس، فألف كتابه (تخليص الإبريز في تلخيص باريز) حيث عبر عن إعجابه الكبير بالمؤسسات والعادات التي شاهدها. وحتى بالنسبة للمرأة، نجد اختلافا بين موقف رفاعة في عشرينيات القرن التاسع عشر، وموقف قاسم أمين، لما ذهب هذا الأخير لباريس بعد أن انتصبت الحماية في مصر وفي إطار الصدام مع الدول الاستعمارية. فتحول الإعجاب الذي ميز مواقف الطهطاوي إلى موقف سلبي في أول كتابات قاسم أمين المتنور الذي درس في الجامعة الفرنسية. فدخول الاستعمار وما نتج عنه من إيقاف لكل المشاريع الإصلاحية، وإلغاء للدساتير التي تم تبنيها في تونس والعراق والدولة العثمانية، وتحالف السلطات الاستعمارية مع معارضي إصلاحات القرن التاسع عشر، جعل من فكرة الإصلاح التي دعا إليها مفكرو هذا القرن وكأنها نوع من الانهزام تجاه الفكر الغربي ومؤسساته، على غرار ما يردده دعاة الإسلام السياسي. فالمجتمعات العربية والإسلامية اكتشفت الفكر الحداثي في شكل الاستعمار لا في شكل الديمقراطية وحقوق الإنسان، وفي شكل التحالف مع أكثر القوى رجعية ضد هذه الإصلاحات. وتتكرر نفس المأساة اليوم حيث نرى بوش يعلن مشروع "إصلاح الشرق الأوسط الكبير" و قواته تدمر ما تبقى من أفغانستان والعراق بعد حروب شهدت تحالف أمريكا مع الطالبان وصدام حسين. هذا الربط بين مقولات الديمقراطية والحداثة وحقوق الإنسان والعلمانية والنماذج الغربية التي لم ير منها العالم الإسلامي سوى وجه الاستعمار ووجه الهيمنة والغزو بأشرس أنواعه، أدى إلى الربط بين رفض الإستعمار ورفض كل ما يتصل بالغرب بما فيه الديمقراطية و حقوق الإنسان التي هي من أمس ما تحتاجه المجتمعات الإسلامية.

س: أي أن نظرية المؤامرة ستصبح هي المؤطر الرئيسي تجاه المنتوج الغربي بكل تلاوينه

نعم ! لكن هذه الحالة قد تجد تفسيرها في قرب العالم الإسلامي من مراكز الاستعمار. فعندما نقارن استفاقة العالم الإسلامي في (ق 19) مع ما عرفه اليابان وبعض بلدان شرق آسيا، نجد أنه لم يكن هناك اختلاف، ولكن القرب من مراكز الاستعمار لم يكن ليسمح ببروز قوة على أبواب أوربا. وبالتالي فكل محاولات الإصلاح، التي كان الهدف منها التحديث وامتلاك الأدوات المساعدة عليه، اصطدمت مبكرا بالمشاريع الاستعمارية. ومن يقرأ كتاب خير الدين التونسي ( أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك) يقف على هذه الحقيقة التي أصبحت واقعا منذ بدايات النصف الثاني من الق 19. ويبين خير الدين كيف أن القوى الاستعمارية كانت تعارض الإصلاحات التي عمل على إنجازها، وكيف كان ممثلو الدول الأوروبية ينفرون المسلمين من هذه الإصلاحات بدعوى أنها لا تتناسب وعاداتهم وثقافتهم. ونجح الإستعمار في فرض توجهاته وأقصي خير الدين من الحكم تحت ضغط الدول الاستعمارية التي كانت تتربص بتونس وبالامبراطورية العثمانية. فهذه من العوامل التي أثرت سلبا في الصراع الفكري داخل المجتمعات الإسلامية بين دعاة الإصلاح ومعارضيه، ونتج عنها تشويش لطبيعة الصراع الذي أجهض باللجوء إلى الحسم العسكري بين الفرقاء على حساب الحسم الفكري. ولعل التعبير الأول عن هذا الصدام بين دعاة الحداثة ومعارضيها تجسد في بداية الق ال19 في ذلك الصراع الدموي بين محمد علي في مصر والوهابية في شبه الجزيرة العربية. ولم يكن انتصار محمد علي على الحركة الوهابية انتصارا فكريا بقدرما كان انتصارا عسكريا . إن المشكلة الأساسية في المجتمعات الإسلامية تتمثل في أن عمليات التحديث، كانت أداتها الأساسية الجيش، منذ تجربة محمد علي في مصر إلى الدكتاتوريات القائمة اليوم في أغلب البلدان الإسلامية، مرورا بتركيا كمال أتاتورك.

س: ولكن هذا الأمر ليس حديثا فالجيش دائما كان له حضوره .

نعم، لكن ما أقصده هو أن الحداثة اعتمدت في إنجاز مشاريعها على القوة والآلة العسكرية، وكان أول شيء يتم تحديثه هو الجيش والإدارة. والتحديث جاء من فوق وعن طريق القهر على غرار ما حاولت القيام به الثورة في فرنسا حيث أدى هذا النهج إلى تراجع وردة دامت أكثر من قرن، إلى حين قيام الجمهورية الثالثة وانتصارالديمقراطية . . . (كدت أقول نهائيا، ولكني تذكرت ردة " فيشي" والحرب العالمية الثانية . . . فلا يمكن أن نتحدث عن انتصار نهائي للديمقراطية لأن الحداثة أعطت أيضا أنظمة كُليانية) . ومن كل ذلك يمكن الخلوص إلى القول بأن مأساة العالم الإسلامي تكمن، إضافة إلى قربه من مراكز الإستعمار، في كونه استفاق على الحداثة عندما دخلت مرحلة تأزم، ولم يكن الاستعمار سوى مظهرا من مظاهر هذا التأزم.

س: للإشارة فقط صدر كتاب مؤخرا ل " إدغار موران" يتحدث فيه عن بربرية أوربا و....

(مقاطعا) هذا ما يتم تناسيه عندما تقدم الآن النماذج الغربية مختزلة في الديمقراطية والحداثة والعلمانية وتنسى سماتها الأخرى، وعندما يقدم العالم الإسلامي مختزلا هو الآخر في الحركات المعادية للديمقراطية والتحرر، وكأننا لم نعرف ما يسميه ألبرت حوراني بالفترة الليبرالية في العالم العربي المعاصر، وهي الفترة التي امتدت من إصلاحات محمد علي إلى الحرب العالمية الأولى في بعض البلدان، وإلى خمسينيات القرن العشرين في بلدان أخرى. وقد مثل انتصار الاستعمار وانتصابه في جل بلدان العالم العربي، منعرجا في مسار الفكر الإصلاحي، فرشيد رضا قبل الحرب العالمية الأولى ليس رشيد رضا الذي عاش بعد هذا المنعرج. ذلك ما ينساه "طارق رمضان" عندما يتحدث عن الفكر "الإصلاحي من جمال الدين إلى حسن البنا". فهو يغيب هذا المعطى الأساسي، ويتجاهل هذا الفارق الكبير بين فكر الإصلاح في القرن 19 وإلى بداية الحرب العالمية الأولى، وفكر الإسلام السياسي المعاصر الذي ظهر بعد الحرب العالمية الأولى، مع حسن البنا والموودي ثم مع سيد قطب ...إلخ.

س: ألا يمكن هنا الحديث عن مدرسة مغاربية في مقابل نظيرتها المشرقية، ابن باديس والطاهر بن عاشور وعلال الفاسي وغيرهم ... ؟

نعم، كان "ابن باديس" والطاهر بن عاشور"، و"علال الفاسي" مواصلة وامتدادا لفكر الإصلاح أكثر من "رشيد رضا" نفسه. فرشيد رضا تنكر لمواقف كان يدافع عنها سواء في علاقة بقضية المرأة والديمقراطية أو بغيرها من القضايا. ولكننا نجد في المشرق علي عبد الرازق وأمثاله كثيرون، كما نجد في المغرب أتباعا لحسن البنا . . .

س: الأستاذ الفرجاني كباحث، هناك من يصنفك من الدعاة لتأسيس لاهوت إسلامي ينادي بالرجوع للنصوص في تأسيسيتها وفي بناء المعرفة الدينية على العلوم الحديثة، فهل توافقون ذلك؟

إن مقاربتي ليست مقاربة لاهوتية، لأن المقاربة اللاهوتية تنطلق من الدين وليس من الإنسان. إن مقاربتي تندرج في إطار العلوم الإنسانية الحديثة التي تنطلق من الإنسان. فأنا لا أقارب الدين كظاهرة ميتافزيقية، وإنما كظاهرة إنسانية. وما يهمني في الأديان كلها هو وظيفتها كوسيلة يعتمدها الإنسان لإضفاء معنى على الوجود وعلى ما يقوم به من أنشطة و ما يقيمه من علاقات مع غيره ومع العالم. ويهمني أيضا أن أعرف كيف يتجلى إيمان الإنسان في سلوكه أو كيف تساعد الأديان الإنسان على إنتاج المعنى، وكيف توصل الإنسان – عبر مختلف مراحل التاريخ وفي مختلف الأديان والمجتمعات - من التوفيق بين ما يعتقده وما يحياه. وتمثل فترات التأزم ، كالتي يمر بها العالم الإسلامي، لحظة حرجة يعسر فيها على المؤمن تحقيق مثل هذا التوفيق، فيؤدي ذلك إلى موقفين: موقف يفضل الحفاظ على نقاوة العقيدة ولو بإدارة الظهر للتاريخ والمجتمع وقضاياه، وهو ما يسمى "التمامية" ، أي الرغبة في الحفاظ على تمامية الاعتقاد ونقاوته. والموقف الآخر يقول بعكس ذلك، إذ يفضل الإنخراط في حركة التاريخ مديرا ظهره للمنظومات القائمة في انتظار إيجاد حل للتوفيق بين المعتقد والمعاش. ومن المواقف المغيبة قي هذا الصدد ما ذهب إليه محمد عبده حين اعتبر أنه إذا وجد تعارض بين النص والعقل وجب اتباع العقل في انتظار التوصل إلى تأويل للنص يوافق أحكام العقل، إذ لا فائدة من تطبيق شيء غير مفهوم. وهذا ما يسمى بالنزعة التقدمية في الأديان. وفي مقدمة تفسير المنار، يؤكد محمد عبده على الشروط الضرورية للتفسير ويذكر من بين هذه الشروط معرفة معاني الألفاظ من خلال سياقها النصي، والإلمام بتطور معاني الألفاظ ودلالاتها في ارتباط بتغير الأوضاع المحيطة بها، وفهم الثقافة والظروف التاريخية والاجتماعية لتشكل النص. ويقول في "رسالة التوحيد" إن القدماء فهموا النص بعلوم عصرهم وعلينا الإستنارة بعلوم عصرنا، التي هي أرقى من معارفهم، لإنتاج فهم جديد يستجيب لحاجة العصر والمجتمع. وهو ما تدعو إليه المقاربات التاريخية الأنثربولوجية للنصوص. ومن هذا المنظور تحدث عن الأمثولة في القصص القرآني معتبرا أن ما جاء في القصص ليس حقائق علمية يتم اعتمادها لرفض أو قبول ما تتوصل له العلوم الحديثة. وحاول مثلا إعطاء تفسير جديد لخلافة آدم قائلا بأن هذا لا يعني أن آدم كان أول من سكن الأرض من الكائنات، ولا يجد حرجا في تأكيد ذلك ليبين أنه بإمكان المسلم أن يؤمن بنصوصه المقدسة ويقبل بنظرية النشوء والترقي الداروينية التي يرفضها اليوم من يرون فيها نقضا لما جاء في التوراة والأناجيل والقرآن، سواء في أمريكا أو في غيرها من البلدان بما فيها البلدان الإسلامية.

وأنا كباحث في تاريخ الأديان، لا أفرق في أعمالي بين الوقائع المسيحية والوقائع الإسلامية أو غيرها من الوقائع الدينية. وتقوم مقاربتي على الدراسات المقارنة والدراسات التاريخية. ودون أن أنفي الخصوصيات المميزة لمختلف الأديان، فأنا أفضل، في زمن التقوقع على الهويات المتشنجة والدعوة إلى صدام الحضارات، التركيز على ما هو مشترك وكوني في التجربة الإنسانية. والأديان لا يمكن دراستها علميا إلا من زاوية دورها في سعي الإنسان إلى إضفاء معنى على وجوده وسلوكه. والديانات التي لا تلبي هذه الحاجة الأساسية للإنسان انقرضت، في حين أن الديانات التي استطاعت أن تخترق حدود المكان والزمان والثقافات هي التي كانت لها القدرة لا فقط على كسب الأتباع، وإنما أيضا على التكيف مع خصوصيات المجتمعات التي اعتنقتها وعلى استيعاب تلك الخصوصيات. فحتى تتبنى مجموعة بشرية دينا من الأديان يجب أن يتبنى هذا الدين حاجتها وخصوصيتها الثقافية. وذلك ما يفسر ظاهرة التنوع والتطور الذي عرفته كل الأديان بما فيها الإسلام. والممارسات الدينية للمسلمين في أفريقيا السوداء وفي المجتمعات العربية، أوفي تركيا وأمريكا وغيرها من البلدان، تشهد على أهمية هذا التنوع والتعدد الذي هو عنوان حيوية وقدرة على التكيف مع خصوصيات وصيرورة المجتمعات، خلافا لما يتصوره المعارضون لهذا التنوع الذين يختزلون الإسلام في تصوراتهم ، و يحكمون على من يخالف تلك التصورات بالارتداد والزندقة والجاهلية.

س: ارتباطا بالمشاريع الفكرية على قلتها، ألايزال في نظركم هنالك مراكمة واستمرار، أم أن هذه المشاريع انقلبت إلى أصنام فكرية وانغلقت على نفسها، لتعلن موتها الذاتي والموضوعي؟

حتى يوجد تراكم يجب أن يوجد تواصل على المستوى الجغرافي وبين الأجيال. ونتيجة لانعدام الحرية الفكرية لا نجد مثل هذا التواصل حتى في مستوى المجتمع الواحد. وقد أفاجئكم إذا ما قلت لكم أن كثيرا من المفكرين التونسيين معروفون في المغرب أكثر مما هم معروفون في تونس بسبب غياب الحد الضروري من الحرية للتواصل. فعبد المجيد الشرفي مثلا ... خضعت كتبه للمصادرة وهولا يستطيع مواصلة نشاطاته داخل الجامعة التونسية. و في مستوى التواصل بين البلدان توجد عراقيل كثيرة. فالكتاب الذي يصدر في تونس يجد صعوبة للدخول إلى المغرب والجزائر، والعكس صحيح. قد تساعد وسائل الاتصال الحديثة مثل الأنترنيت والفضائيات على تجاوز هذه العراقيل ولكنها تطرح مشاكل أخرى. فجل الفضائيات المهيمنة في العالم العربي منابر لبلدان الخليج، وهي بلدان لم تعرف تلك التطورات والصراعات الفكرية التي عرفها المغرب وتونس والجزائر ومصر ولبنان وسوريا والعراق والدولة العثمانية خلال الق 19. كما أنها لم تعرف ذلك الصراع الذي واكب حركات التحرر من الاستعمار في المغرب والمشرق. وهي الآن تفرض على هذه البلدان أجندتها التي هي أجندة مجتمعات لم تقطع مع القبلية ومازالت تحكمها قراءات محمد بن عبد الوهاب والتصورات التقليدية. والنقاشات التي تكتسح العالم العربي عبر هذه الفضائيات تجري وكأنه لم يوجد لا رفاعة الطهطاوي، ولا محمد عبده ولا قاسم أمين ... من يعرف عبد الله العروي مثلا خارج التونسيين والمغاربة والجزائريين الذين يقرؤون الكتب المنشورة بالفرنسية ؟ وحتى ما يكتبه العروي وأمثاله بالعربية ظل محصورا في الغرب، خلافا لما يكتبه الجابري وفق توجه معين جعله مطلوبا في أسواق الشرق أكثر ممن تعد كتاباتهم نشازا بالنسبة لما هو رائج اليوم ومهيمن في المجتمعات العربية بحكم ما فرضته أجندة البلدان الخليجية.

س: فيما يتعلق بالإسلام السياسي، هنالك مجموعة من النماذج التي اثبت التاريخ فشلها الذاتي كتجربة السودان مثلا، لكن هنالك نموذج مغاير لذلك وهو النموذج التركي، ما رأيك في ذلك؟

بالنسبة للإسلام السياسي سبق أن أشرت إلى ما يشترك فيه مع المسيحية السياسية في نهاية الق 19 وإلى حدود الحرب العالمية الثانية. فقد كانت للمسيحية السياسية نفس المقولات ونفس المواقف من مسألة تعليم المرأة ومن العلمانية ومن الديمقراطية والجمهورية التي كانت محل رفض من قبل هذه الحركة. وتسمية المسيحية السياسية ليست مني وإنما هي للمفكر المسيحي "فرنسوا مورياك" الذي كتب سنة 1945 بعد نهاية الحرب العالمية الثانية قائلا إنه ليس هناك من يرفض العلمانية منذ أن انتهت المسيحية السياسية المنادية بأولوية سلطة رجال الكنيسة على السلطة السياسية. وعندما عدت لقراءة مضامين خطاب هذه الحركة وجدتها لا تختلف في شيء عما تدعو له أكثر حركات الإسلام السياسي تطرفا.

بالنسبة إلى تركيا وإلى ما نلاحظه في خطاب العدالة والتنمية في المغرب أو في مواقف بعض فصائل الإسلام السياسي في مصر(حزب الوسط) وفي تونس . . .

س: وما نلاحظه مؤخرا كذلك من قبل الترابي في كتابه السياسة والحكم وغير ذلك من خطاباته . . .

نعم، و لكن الترابي نسي أو تناسى أنه كان وراء إعدام محمود محمد طه، وصار يعارض اليوم ما سبق له أن طبقه في ظل النميري . . .الإسلام السياسي جاء مثل المسيحية السياسية كرد فعل على ظهور شرعية سياسية جديدة وهي الديمقراطية، رافضا أن يكون الشعب مصدرا لشرعية طالما تم ربطها بالدين وإخضاعها لما يقدم على أنه سلطة الله. هكذا قال رجال الكنيسة إلى حدود نهاية الحرب العالمية الثانية. وهكذا قال دعاة الإسلام السياسي في تونس إلى حدود الثمانينات عندما كانوا يرفضون الديمقراطية لإنها تعني حكم الشعب وهم يريدون حكم الله. وعندما وجد مناخ ملائم للمواجهة الفكرية وسمح لهم، ولعدد من القوى السياسية، بالمشاركة في الانتخابات، بدأ موقفهم من الديمقراطية يتغير، رغم أن هناك من لم ير فيها سوى وسيلة للوصول للحكم على غرارما ذهب إليه علي بلحاج في الجزائر حين قال، وهو واثق من الفوز: "الانتخاب مرة واحدة وبعدها لا سبيل إليه". ولكن من يدخل حلبة المنافسة الديمقراطية قلما يخرج منها دون أن يدفع ثمنا. فعندما أخرج أنور السادات الإخوان من السجن وأدخلهم البرلمان، ظهر في صفوفهم انقسام بين من يعتبرون الديمقراطية مجرد وسيلة ومن صاروا، شيئا فشيئا، يتبنونها كهدف، ويرفضون ازدواجية الخطاب، أي المطالبة بالديمقراطية وحقوق الإنسان عند الحاجة ورفضها كهدف استراتيجي. هذه المواقف خلقت نوعا من التشويش داخل حركات الإسلام السياسي على غرار ما سبق أن عرفته المسيحية السياسية. فظهرت مواقف تحاول التوفيق بين الفكر الديني ومقولات حقوق الإنسان والديمقراطية وتبحث لها عن أسس في النصوص والتقاليد والمراجع المعتبرة، على غرار ما نشهده اليوم في تركيا والمغرب وعدد من البلدان. وقد أدى هذا في أوربا إلى ظهور الديمقراطية المسيحية، التي تخلت عن مشروع الدولة المسيحية مع التشبث بالقيم الأخلاقية التي تعتمدها في صياغة برامجها وتحديد مواقفها السياسية، وهو حق من حقوقها مثلها في ذلك مثل كل من له قناعات دينية أو فلسفية. وهذا ما بدأ يتبلور في صفوف بعض حركات الإسلام السياسي. ولكن هذه التحولات مازالت جنينية وتعوزها المصداقية التي تقتضي قطيعة واضحة مع مقولة الدولة الإسلامية ونقد التجارب والممارسات التي قامت على أساس رفض الديمقراطية. وينطبق هذا على حركات الإسلام السياسي وعلى حركات اليسار التي أنتمي لها والتي أصبحت تتكلم عن الديمقراطية وحقوق الإنسان بعد أن كانت تعتبرها مفاهيم برجوازية. والانخراط في المنافسة الديمقراطية، حتى ولو كان ذلك مجرد تكتيك من أجل الوصول إلى الحكم، لا يمكنه إلا أن ينقلب على أصحابه، لأن المواقف المدافع عنها علنا تلزم أصحابها وتصبح أساسا لمحاسبتهم فيما بعد إذا ما تخلوا عنها. فعندما يقول راشد الغنوشي في ندوة صحفية، كما سبقت الإشارة إلى ذلك، بأن طلبه مراجعة مجلة الأحوال الشخصية إنما هو للمزيد من الحقوق للمرأة، لا يمكنه أن يتراجع عن ذلك دون أن يكون محجوجا أمام الرأي العام. ولهذا من الضروري توفير مناخ يضمن حرية الرأي والتعبير لفرز المواقف. وهو ما سمح في تركيا، بعد تجربة أولى انتهت بتصادم الإسلام السياسي مع مؤسسة الجيش، إلى التخلي عن الحزب المنحل وتأسيس حزب جديد وباسم جديد وتوجه جديد صار يقبل حتى بالعلمانية . . . فلو لم توجد منافسة ديمقراطية ما كان للإسلام السياسي أن يعطي حزب العدالة والتنمية التركي الذي يشترك في نفس التسمية مع نظيره المغربي وأنتم تعرفون الفرق بين الحزبين ... فالمناخ الذي ظهر فيه الحزبان مختلف : الحزب المغربي ليس مواجها بأحزاب تدعو للعلمانية، وليس مواجها بالإرث الكمالي، بل هو مواجه بمؤسسات أخرى كإمارة المؤمنين ورابطة علماء المغرب وحركة عبد السلام يسين، ولا تجرؤ على المطالبة بالعلمانية إلا بعض الأصوات الهامشية ...

س: لكن قد يقول قائل لماذا لا تستفيد التجربة في المغرب من نظيرتها في تركيا؟

هذا صحيح. لكن لماذا تريد أن ينسج الإسلاميون في المغرب على منوال الأتراك وهم في موقف مريح لا يفرض مراجعة الرؤى التقليدية السائدة ؟ فحتى أحزاب اليسار لا تجرؤ على الدفاع عن علمانيتها ولا تنتقد العديد من السلوكات المنافية للديمقراطية. لماذا تريد من الإسلامي إثارة قضايا يحجم عن التعرض لها أنصارها ؟ فتطور المسيحية السياسية في اتجاه تبني الديمقراطية لم يكن تلقائيا بل كان نتيجة للهزائم التي تكبدتها أمام القوى الديمقراطية خاصة بعد تورطها في مساندة حكومة (فيشي) والنازية. ولنا في التجربة المغربية مثال على ما أقول : فقد تمت معارضة خطة إدماج المرأة في التنمية من قبل الإسلاميين، وعندما وقعت أحداث 16 ماي 2003، وافق الإسلاميون على ما سبق أن اعترضوا عليه حتى لا يؤدي الاستمرار في نفس الموقف إلى الربط بين كل الإسلاميين ومن كانوا وراء تلك العمليات. وهكذا تمت المصادقة على تنقيح مدونة الأحوال الشخصية في اتجاه ما طالبت به الخطة وبموافقة ممثلي الإسلاميين في مجلس النواب بالإجماع . . .

س: وكأني بالأستاذ الفرجاني يؤكد على حتمية الضرورة في الدفع بالفكر ليتقدم ؟

أنا أعتبر أن المسلمين كغيرهم من البشر في حاجة إلى إيجاد توافقات بين معتقداتهم وما يتطلبه الإنخراط في معترك الحياة ومشاغل المجتمع والعصر. وهذا هو محرك تطور المنظومات الدينية. كيف تريد من المغربي اليوم أن ينصت لخطاب ما قبل أحداث 16 ماي ؟ كيف تريد منه أن يعيش في مجتمع تتولى فيه المرأة القضاء والمناصب الإدارية والجامعية، ويقبل مع ذلك بمنظومة تجعل من المرأة قاصرا ؟ كيف تريد من الجزائري أن يقبل بأن تصبح المرأة رئيسة للجزائر (" لويزا حنون"، كما تعلم، ترشحت للرئاسة)، وليس لها الحق في الولاية على نفسها وعلى أبنائها، ولا في السفر بدون إذن زوجها ؟ أليس هذا من المضحكات المبكيات ؟ كيف نريد من المغربي اليوم، أو أي مسلم في أي بقعة من العالم، أن يقبل بالقراءات التي تدافع عن الرق ؟ فحتى لو أراد ذلك فإنه لن يستطيع لأنه في حاجة للتوفيق بين ما يعتقده وما يتطلبه العيش في مجتمع لم يعد يقبل بالرق، ولم يعد يقبل أن تهان كرامة إنسان لا لشيء إلا لأنه من أصل مختلف. فالذي يعيش في أمريكا أو فرنسا، ويطالب أن تكون له نفس الحقوق التي لغيره من المواطنين، لا يمكنه أن يدافع عن نقيض تلك الحقوق عندما يواجه بما يلحق الأقباط والبهائيين في مصر. كيف له أن يرفع شعار حرية المعتقد والمساواة وكرامة الإنسان وحرية الرأي والتعبير، ليدافع عن حقوقه في فرنسا وفي أمريكا وكندا، وفي الوقت نفسه يدافع عن اضطهاد الأقباط والأقليات المسلمة في مصر وغيرها من البلدان الإسلامية ؟ كيف يثور ضد الرسوم الكاريكاتورية ويسكت أمام تفجير ثماثيل بوذا في أفغانستان ؟ كيف يطالب باحترام مقدساته كمسلم ويقبل بتعدي المسلمين على مقدسات غيرهم من البشر؟ إن وعي المسلم في الق ال21 لا يمكنه أن يقبل بهذه التناقضات طويلا، ولا يمكنه أن يستمر في الدفاع عن حرية المعتقد ويطالب بإعدام المرتد عن الإسلام أو تطليقه من زوجته المسلمة حتى ولو أعلنت أنها تشارك زوجها أفكاره، على غرار ما فعلت ابتهال يونس زوجة نصر حامد أبو زيد. لا يمكنه أن يطالب بحقه في التعبير عما يعتقد، وفي إقامة شعائر دينه، ويسكت عن اضطهاد المسيحيين ومحاكمتهم كما يجري في الجزائر بدعوى أنهم يقومون بالتبشير في حين أنهم لم يفعلوا أكثر مما يقوم به المسلمون لنشر دينهم بكل الوسائل، دون أدنى حرج، في فرنسا وفي سائر أنحاء العالم، ويتباهون باعتناق أتباع جدد للإسلام في مختلف البلدان. فلا يمكن لأحد أن يطلب لنفسه حقوقا لا يعترف بها لغيره من الناس. وعندما يصبح بالإمكان وجود نقاش حر داخل المجتمعات الإسلامية حول هذه المسائل، ويواجه المسلمون بمثل هذه التناقضات، سوف تفتح الأبواب على مصراعيها أمام التطور الذي لا مفر منه.

س: أثيرت نقاشات وسجالات كثيرة في المرحلة السابقة حول العلمانية، توازيا مع نقاش الثنائيات الذي كان سائدا، الأصالة والمعاصرة، الإسلام والعلمانية...، نريد أن نبتعد عن هذا الضجيج قليلا ونستمع لرأيك في العلمانية، فماذا تقول؟

اكتشف العالم الإسلامي العلمانية كممارسة سياسية مع تجربة أتاتورك الذي مارس علمانية مشوهة على غرار علمانية روبيس بيير في الثورة الفرنسية. الفرق بين روبيس وأتاتورك أن هذا انتصر والأول انتهى مشنوقا نتيجة لمفهومه للعلمانية. بالنسبة لي العلمانية لا تسمح بأن تتدخل الدولة في المسائل الدينية، ولا تسمح للمؤسسات الدينية بأن تتدخل في الشؤون السياسية، حتى لا توظف الدولة الدين لكسب المشروعية، وحتى لا توضع مؤسسات الدولة في خدمة منظومة دينية أو عقائدية دون، أو على حساب، غيرها المنظومات. مشكلة العالم الإسلامي (خاصة في الفضاءات السنية لأن الأمور مغايرة في الفضاء الشيعي) تكمن في أن النموذج الذي انتشر كان ومازال نموذج فقهاء السلطة، أي الفقيه الذي يوظف الدين في خدمة السلطة القائمة. كمال أتاتورك، تحت غطاء العلمانية، دفع بهذا النموذج إلى أقصاه فحول رجال الدين إلى موظفين كغيرهم من أعوان الدولة، وجعل منهم أداة ينحصر دورها في الدفاع عن رؤية رسمية للدين ومن يعارضها يفصل كما يفصل أي عون لا يؤدي وظيفته كما هو مطلوب منه. هذه السياسة ليست علمانية. أنا مع حق التركي في أن يفهم القرآن ويقرأه بلغته ولكني لا أقبل أن يكون ذلك بقرار سياسي، على غرار ما فعل أتاتورك حين فرض، باسم الدولة العلمانية، ترجمة القرآن. فالدولة لا دخل لها في الأمر وليس لها الحق بأن تقول هذه هي القراءة الصحيحة للدين وغيرها ممنوع. فقد قام أتاتورك بصفته رئيس جمهورية علمانية بحل العديد من المؤسسات الدينية التي لم تقبل سياسته. وذلك ما نسج على منواله بورقيبة في تونس. وهذا لا ليس من العلمانية. إن ما عرفه العالم الإسلامي عن العلمانية هو تجارب مشوهة فرضت بالقوة قراءات معينة للدين ومنعت سواها. أقول هذا بغض النظر عن مضامين ما تم منعه وما تم فرضه ... المشكلة ليست أن نقبل بهذه القراءة أو تلك ... وإنما في تدخل الدولة في الشأن الديني كممارسة مناقضة لمبدإ العلمانية ... وهذا المبدأ أصبح اليوم مدافعا عنه حتى من طرف رجال الدين من مختلف الفرق الإسلامية : محمد محمود طه وصهيب بن الشيخ ومحمد حسن الأمين، القاضي الجعفري لمدينة صيدا. وقد شارك هذا الأخير في ندوة نظمت في حلب سنة 2002 حول الكواكبي وبدأ كلمته قا ئلا : "أمجد العلمانية، أمجد العلمانية، أمجد العلمانية... " ثم راح يبين أنها تعني التحرر من سلطة أولئك الذين نصبوا أنفسهم أولياء على الدين، ويعيب على المسلمين فهمهم الخاطئ للعلمانية، وعلى العلمانيين فهمهم الخاطئ للإسلام. وقدم قراءة توفق بين الإسلام والعلمانية. وفي سلطنة عمان التقيت بالمفتي حمد الخليل للتعرف على مواقف المذهب الإباضي من عدد من القضايا. وفي هذا اللقاء سألني عن وضع الإسلام في فرنسا. فحدثته عن القانون الفرنسي الذي يفصل بين الديني والسياسي، ويخول لرجل الدين حق الترشح للانتخابات ويمنعه من فرض مواقفه باسم الدين عندما يتولى خطة حكومية، ولا يسمح للدولة بالتدخل في الشأن الديني أو بفرض مواقفها باسم الدين . . . فعبر عن أمله في أن يرى الحكام المسلمين يعملون بمثل هذا القانون مبررا موقفه الذي فاجأني بما ينتج عن الخلط بين الدين والسياسة من جرائم ترتكب اليوم باسم الإسلام "وهو منها بريء" على حد تعبيره. فحتى الأماكن والأشهر الحرم التي أقرت قبل ظهور الإسلام في الجزيرة العربية للحد من الغزوات ومن العنف وأصبحت من شعائر الإسلام، لم تسلم من تلك الجرائم. ففي حين ذهب الفقهاء في الق 10 إلى تحريم قتل حيوان مفترس داخل حرم الكعبة، باعتبار القتل والعنف تَعَد على حرمة المقدس، شهدت ثمانيات القرن ال20 اقتتال الحجيج الإيرانيين، في حرم الكعبة، مع الشرطة السعودية . . . وتم الإلتجاء إلى تدخل فرقة من المختصين الفرنسيين لتخليص الرهائن وإخراج المقتتلين. ومن الأمثلة على هذه الجرائم قتل أطفال جزائريين في شهر رمضان وهم يؤدون الصلاة في أحد الجوامع حيث تم ذبحهم كالخرفان من طرف إحدى الجماعات الإسلامية المسلحة. وهذه الجرائم المرتكبة باسم الدين تمثل بعضا من نتائج الخلط بين الديني والسياسي في المجتمعات الإسلامية كما في غيرها من المجتمعات.

ومن مشاكل العلمانية أنها قدمت في العالم الإسلامي على أنها سياسة معادية للدين في حين أنها أفضل وسيلة لحماية الأديان مما يلحقها من تبعات التلاعب بها في حلبة الصراعات السياسية.سبق لي أن استمعت إلى نصر حامد أبو زيد وهو يتحدث بألم عن الأزمة التي عاشها كمؤمن - سبق أن انتمى لحركة الإخوان المسلمين في الستينات- أمام توظيف الإسلام مع عبد الناصر في خدمة الاشتراكية وفي الدعوة إلى الجهاد من أجل تحرير فلسطين، وتوظيفه مع السادات في خدمة الانفتاح والتطبيع. وتساءل : كيف يمكن للإسلام أن يكون مع التطبيع وضده ؟ كيف يمكن أن يكون مع الانفتاح على الأسواق الرأسمالية ومع الاشتراكية ؟ هذه الحيرة دفعت به، غيرة على مقدساته، إلى رفض كل توظيف سياسي للإسلام سواء من طرف الحكومة أو من طرف الأخوان المسلمين وغيرهم من دعاة الإسلام السياسي. نفس رد الفعل عرفته في موقف لوالدي الذي لم يكن يعرف القراءة ولا الكتابة ، وكان يصلي ويذهب إلى الجامع منذ كان عمره 17 سنة ، إلى أن صدم، في نهاية ثمانيات القرن العشرين، بخطبة من أعلى منبر الجامع تمجد سياسة الرئيس بن علي. فتوقف عن الصلاة وخرج مطبقا باب الجامع بقوة. وعندما تم استدعاؤه إلى مقر الشرطة للتحقيق معه حول هذا التصرف، أجاب بأنه يذهب للجامع للصلاة لا ليسمع خطابا سياسيا، وأنه إذا ما تحول الجامع إلى مكان للخطب السياسية، على غرار التلفزة ومقرات الحزب والساحات العمومية، فهو ليس مجبرا على الصلاة فيها، ويمكنه الإكتفاء بصلاة هادئة في بيته. ونجد في الدراسة التي قام بها محمد الطوزي وحسن رشيق ومحمد العيادي ، ونشرت أخيرا في المغرب ، حول التدين في الحياة اليومية للمغاربة، ما يؤكد ظاهرة التدين الفردي حيث أن من يذهبون للصلاة في الجوامع أقلية ( 8 %). وما تجدر الإشارة إليه هو أن هذا الموقف ليس بجديد في تاريخ الإسلام. فسعيد بن المسيب كان يقول إذا رأيتم العالم يغشى الخلفاء فاحذروه فإنه لص. ولو تم تقديم مسألة الفصل بين الديني والسياسي انطلاقا من قراءة للواقع وللتاريخ وما ولده الخلط من حيف وعبث بالدين نفسه وباسمه، لقبل بها من لا مصلحة لهم في هذا الخلط فضلا عمن لا يلحقهم منه إلا الإضطهاد. فلو لا الخلط بين الدين والسياسة لما ضربت الكعبة من طرف الحجاج بالمنجنيق في عهد عبد الملك بن مروان، ومن طرف القرامطة فيما بعد ، ولما أعدم غيلان الدمشقي وجعد بن درهم والحلاج والسهروردي ومحمد محمود طه ، ولما اغتيل فرج فوضة ، الخ .

س: هنالك موقف من العلمانية صار يحسب على الإسلاميين في شخص المسيري الذي فرق بين العلمانية الشاملة والجزئية، مارأيكم في هذا النموذج ؟

ما كان لهذا الموقف وغيره أن يتبلور لولا وجود نقاش حر حول كل القضايا التي تعرضنا لها. وقد سبق أن كان لي نقاش مع بعض ممثلي رابطة علماء المغرب عند ظهور خطة إدماج المرأة ، فطلبت منهم أن يأتوا بما يجبر المسلمين على القبول بهذا التوظيف لمقدساتهم لخدمة أغراض سياسية. ماذا يفعلون بآيات مثل من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر و ذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر و أمرهم شورى بينهم ، إلخ ؟ كل هذه الآيات سبق لعلي عبد الرازق أن اعتمدها لدحض النظريات المدافعة عن نظام الخلافة ، كما سبق لمحمد عبده التنبيه لأهميتها في رده على فرح أنطون ( انظر "الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية" ) حيث قال بأنه لا أساس للسلطة في الإسلام، وإن الخلافة والقضاء وكل أنواع السلطات ... وظائف مدنية ألبست لباس الدين.

وقد قدمت العلمانية على أنها نموذج جاهز ما علينا إلا اقتباسه وتطبيقه، والحال أنها عرفت وتعرف في أوربا صيغا وأشكالا مختلفة. فعلاقة الدولة بالدين تختلف حسب تاريخ وخصوصيات كل بلد. وهي في فرنسا غير ما هي عليه في ألمانيا أو إيطاليا أو هولندا أو أمريكا. فالعلمانية تقدم على أنها مقولة أو نظرية غربية يراد فرضها على المجتمعات الإسلامية، والحال أنها وجدت مقاومة من في المجتمعات الغربية بحجج وبأساليب أعنف مما تواجهه اليوم في البلدان الإسلامية. وهي مازالت تواجه مقاومة متعددة الأشكال في العديد من البلدان غربا وشرقا، شمالا وجنوبا. فلا يوجد نموذج واحد أوحد للعلمانية. وكل دولة اضطرت إلى معالجة هذه القضية حسب الخصوصية التاريخية لمجتمعها، وحسب طبيعة نسقها السياسي. ولا مناص أن يخضع حسم مسألة العلمانية في البلدان الإسلامية وفق خصوصيات كل مجتمع. فهي لا يمكن أن تصاغ في المغرب، حيث توجد مؤسسة إمارة المؤمنين، كما في مصر حيث يمثل الأزهر بمؤسساته دولة داخل الدولة، أو في إيران حيث تشكل مؤسسة الملالي قوة شبيهة بتلك التي للكنيسة في البلدان الكاثوليكية، أو في تركيا التي تأثرت بالتجربة الكمالية، الخ.

س: مؤخرا بدأت المناداة بالحوار بين الأديان والثقافات وأن الأصل فيها هو الحوار، وهذا خصوصا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، فما هو رأيكم في مسألة الحوار هذه؟

- ما سبق أن ذكرته عن العلمانية يفرض نفسه على الصعيد العالمي. فالعالم اليوم أصبح قرية صغيرة تتعايش وتتصارع في أزقتها مصالح وجماعات ذات انتماءات وثقافات وعقائد مختلفة. ووسائل الإعلام ، مثل رؤوس الأموال والمصالح ، اخترقت كل الحدود . وفي هذه القرية صارت كل الأديان أقليات تتعايش وتتصارع في نفس الفضاء المفتوح. وما يقال هنا في المغرب أو تونس أو مصر يسمع في كل أرجاء العالم. المسافات تقلصت بين المجتمعات والثقافات. ولم يعد بإمكان أحد أن يخفي ما يضمره للآخرين. وحركات الهجرة جعلت المقابلة بين الإسلام والغرب لا معنى لها، لأن الإسلام صار غربيا، والمقابلة بين المسيحية والشرق لا معنى لها أيضا، لأن مركز ثقل المسيحية لم يعد الغرب بل صار الجنوب (أمريكا اللاتينية) الذي يقاسم أغلب البلدان الإسلامية العديد من الخصائص. في هذا الإطار جاءت قضية الحوار بين الأديان والثقافات كرد فعل على نظرية صدام الحضارات (لصمويل هنتنغتون) ونهاية التاريخ (لفوكوياما) ... بالنسبة لي، وبكل صراحة ، لا يوجد اليوم حوار حقيقي بين الأديان والحضارات. لماذا ؟ لأن هذا الحوار لا يمكن أن يكون صادقا ومجديا إلا إذا انطلق من مشاكل الإنسان ومن قضاياه المصيرية، وإلا إذا شمل كل البشر أيا كانت معتقداتهم و فلسفاتهم وانتماءاتهم، باعتبارهم بشرا، لهم نفس الكرامة ونفس الحقوق. وهذا يفترض أن نراجع جميعا نظرتنا للآخر. فلا معنى للكلام عن الحوار بين الأديان والثقافات في ظل ما تروجه وسائل الإعلام ومع ما نجده في برامج ومناهج التدريس حول الأديان. فالخطاب السائد في الإعلام والكتب المدرسية لا يختلف عما يوجد في الكتابات القديمة حول "الملل والنحل" و"الفرقة الناجية والفرق الضالة" و"فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة" و"اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع" الخ. فنحن مازلنا ننعت الشيعي بالرافضي والسني بالناصبي ونسمي الإباضي خارجيا (بمعنى الخروج عن الدين، وليس بمفهوم الخروج على علي كما يبرر عادة والحال أن المحكمة لم يكونوا أول ولا آخر من خرج على علي). كيف يمكن الكلام عن حوار صادق بين الأديان والثقافات ونحن لا نقبل بالإختلاف حتى بين المنتمين إلى نفس العقيدة وإلى نفس المجتمع. والأدهى من كل هذا أننا نجد مثل هذه التعاملات حتى على مستوى النخب الداعية لحرية المعتقد. فهذا محمد الطالبي، الذي يرفض الكلام عن التسامح ويفضل مفهوم المساواة بين أتباع كل الديانات والفلاسفة بمن فيهم "النفاتيين" على حد تعبيره، يكفر عبد المجيد الشرفي ومحمد أركون ونائلة السليني، وغيرهم ممن يسميهم "الإسلاخسلاميين" ! (أنظر كتابه الأخير " ليطمئن قلبي")

و ما نقوله عما يوجد حول الأديان والثقافات في مناهج التدريس في البلدان العربية والإسلامية، ينطبق على ما يوجد في مناهج التعليم وفي وسائل الإعلام، في كل البلدان، وإن بدرجات متفاوتة. فالجميع يسعى إلى أن يبين تفوق معتقداته وثقافته مبرزا ما فيها من محاسن ومغطيا على ما فيها من عيوب، وينتقص من معتقدات وثقافة غيره بإبراز عيوبها وطمس محاسنها. أي معنى للحوار في ظل استمرار العمل بمثل هذه المناهج والسكوت على هذه التعاملات ؟ وقد سبق أن دعيت للمشاركة في هذه الحوارات فرفضت، لأنه لا معنى لحوار يدور حول طبيعة المسيح ونبوة محمد وصحة التوراة والأناجيل أو القرآن ...! فهذه مسائل إيمانية لا يمكن للنقاش أن يكون له معنى إلا في ظل اتفاق مسبق على حد أدنى من المسلمات الإيمانية التي تؤدي إلى إقصاء الأطراف التي لا تقبل بها. وإذ أرفض المشاركة في أي نقاش حول هذه القضايا فلأني اعتبر المواقف منها من قبيل "مصادرات العقل" التي تتساوى عندها الحجج على غرار ما بين ذلك الفيلسوف كانط. ومن ثمة لا أرى أي جدوى في حوار لا يرجى منه حد أدنى من الاتفاق حول ما يساهم في حل مشاكل الإنسانية.

SPIP | دخول | خريطة الموقع | متابعة نشاط الموقع RSS 2.0
Habillage visuel © Andreas Viklund sous Licence free for any purpose