Mouvement Ettajdid حركة التجديد

الصفحة الأساسية > عربي > مـلفــــات و دراســات > مداخلة حركة التجديد في الدورة الحادية عشر للمجلس الأعلى للبحث العلمي (...)

مداخلة حركة التجديد في الدورة الحادية عشر للمجلس الأعلى للبحث العلمي 06-03-2010

الاثنين 8 آذار (مارس) 2010

مداخلة حركة التجديد

في الدورة الحادية عشر للمجلس الأعلى للبحث العلمي

تونس في 6 مارس 2010

سيدي الوزير الأول،

السادة والسيدات الوزراء وممثلي الأحزاب والمنظمات،

سيداتي سادتي،

اسمحوا لي في البداية بأن أعبر إلى السيد وزير التعليم العالي والبحث العلمي والتكنولوجيا عن تمنياتي له بالنجاح والتوفيق في مهامه الجديدة، متمنيا بالخصوص أن تجد الجامعة النقابية العامة للتعليم العالي والبحث العلمي لدى الطرف الحكومي كل تفهم واستعداد لفتح صفحة جديدة من الحوار البناء والتفاوض الجدي حول المشاكل الخاصة بسلك التعليم العالي والبحث العلمي وحول المسائل الجوهرية المتعلقة بمصير التعليم العالي والبحث العلمي.

وإني إذ أعبر بهذه المناسبة عن تثمين حركة التجديد لتشريك الأحزاب السياسية في مختلف المجالس العليا، فإني أجدد الطلب باسم الحركة التي أمثلها اليوم في هذا المجلس بأن يشمل هذا التشريك كافة الأحزاب القانونية ، سواء كان لها أو لم يكن نواب في البرلمان، حتى تتمتع بنفس الحقوق والواجبات التي تفرضها التعددية الحزبية، وبالخصوص حقها في إبداء الرأي من داخل مؤسسات الدولة حول أمهات القضايا التي تتعلق بمصير تونس ومستقبلها باعتبار أن هذا المستقبل يهم كل التونسيات والتونسيين دون استثناء.

ونظرا لكثافة المادة التي تضمنها التقرير الوزاري المعروض علينا، وما تطرحه من إشكاليات عديدة، مع غياب التنصيص على جدول أعمال هذا المجلس في الدعوة التي وجّهت إلينا ، فإننا سنقتصر على تقديم بعض الملاحظات الأساسية، مشفوعة بمقترحات، راجين أن تؤخذ بعين الاعتبار خلال المرحلة القادمة :

  • الملاحظة الأولى تتعلق بسياسة البحث واستراتيجيات التنمية

ذلك أن البحث العلمي لا يزال يحتاج إلى توضيح الرؤيا حول الاختيارات الكبرى والأوليات الوطنية المرتبطة بالتنمية. كما يحتاج إلى توضيح مفهومنا للبحث وللعلاقة بين النظري والتطبيقي وعلاقة البحث الأساسي، النظري والتطبيقي، بالتكنولوجيا، ومكانة البحث المتخصص في العلوم الإنسانية من كل هذا. وينطلق التفكير حول هذه المسألة من المكاسب التي تحققت منذ الاستقلال، سواء المتعلقة بتركيز البنية التحتية للبحث العلمي والتكنولوجي أو تلك المتعلقة بالهيكلة، كما تأخذ بعين الاعتبار الإمكانيات المادية والبشرية وقدرات البحث المتوفرة. ويتعين كذلك اعتبار ما تعانيه منظومة البحث من ثغرات مزمنة ومن نقاط ضعف هيكلية يتطلب تشخيصها ومعالجتها التحلي بثقافة "النقد الذاتي" وبقدر كبير من الموضوعية والأريحية والشعور بالمسؤولية والإرادة البنّاءة. وتفاعلا مع التوجهات الواردة في كلمة السيد الوزير الأول خلال الدورة العاشرة لهذا المجلس بخصوص بلورة الأولويات القطاعية، فإننا نقترح اتخاذ إجراءات عملية لتشريك الإطارات الكفأة والخبرات العالية، التي تزخر بها تونس وجامعاتها ومؤسساتها الاقتصادية والاجتماعية والمدنية، في وضع الأولويات الوطنية انطلاقا من الحاجيات المستقبلية لبلادنا.

ومن هذه الإجراءات إحداث هيكل أو هياكل قارة للتفكير الجماعي المتواصل حول سياسة البحث العلمي في تونس ودوره الاستراتيجي في التنمية، تكون مهمتها الأساسية بلورة استراتيجية واضحة تؤدي إلى مقروئية على المدى المتوسط والبعيد، وإلى وضع خطة متماسكة ونظرة شاملة لمنظومة البحث ككل، متناسقة مع النسيج الاقتصادي والاجتماعي ومطوّرة له، حتى تتمكن هذه المنظومة بجميع مكوناتها وهياكلها الفاعلة من وضع أهداف وبرامج متناسقة ومتكاملة في اتجاه التنمية الشاملة.

وبذلك تتحسّن مردوديتها وتتعزز ديناميكية البحث، ويوضع كل مشروع أو برنامج بحث في إطار نظرة مستقبلية تحـفّـز الطاقات وتخدم الأهداف الوطنية. كما أن النظرة الاستراتيجية قد تعطي إلى المنظومة البحثية التونسية موقعا متقدما يسمح لها بالمساهمة في فتح أفق جديدة لبناء أسس التكامل الفعلي بين أقطار المغرب العربي، وبالخصوص في ميدان البحث العلمي والتكنولوجي، وفي القطاعات الحيوية المرتبطة مباشرة بالتنمية المستديمة ذات البعد المغاربي والمتوسطي، مثل الطاقة والماء والصحة والبيوتكنولوجيا وغيرها. ويمكن الوصول إلى نتائج ملموسة في هذا الاتجاه باعتماد مقاربة منظوماتية شاملة (approche systémique globale) متعددة الاختصاصات والخبرات والاهتمامات تراعي مختلف الأبعاد المعرفية والتقنية ومختلف العوامل المرتبطة بالنسيج الاقتصادي والاجتماعي والثقافي وبالمحيط البيئي في كامل المنطقة المغاربية والمتوسطية.

إن النقاش حول هذه الأهداف وحول الخيارات الاستراتيجية من شأنه أن يخلق ديناميكية غير مسبوقة وأن يوضح السبيل للمجموعة الوطنية حول مستقبل البحث العلمي ودوره في بناء المستقبل.

  • الملاحظة الثانية تتعلق بالأقطاب التكنولوجية والنقل التكنولوجي (transfert technologique)

لقد بعثت الأقطاب التكنولوجية في إطار منظومة التجديد التكنولوجي لتفعيل دور البحث العلمي وتثمين نتائج البحوث وتسخيرها لخدمة التنمية الاقتصادية. ومن جملة الآليات التي تعتمد عليها تسويغ مقاسم بفضاءات الإنتاج لفائدة مؤسسات أجنبية تتعهد حسبما يبدو بإحداث عدد غير محدد من مواطن الشغل، دون أن يمثل ذلك بالضرورة نقلا للتكنولوجيا نظرا إلى أن أغلب المؤسسات الراغبة في الانتصاب لها أهداف لا نتحكم فيها وغالبا ما تكون غير معلنة وهي حريصة على حماية أسرارها الاقتصادية والتكنولوجية وعلى قدرتها التنافسية خاصة إذا كانت مرتبطة بتكنولوجيات متقدمة وباستراتيجيات نجهلها مثل شركة داصّو (Dassault). فما بالك ببرنامج مبرم في إطار آخر مع منظمة الحلف الأطلسي لم يجد له باعثوه من تسمية غير "برنامج العلم من أجل السلم" (هكذا !).

وقد بينت التجربة أن النقل التكنولوجي لا يمكن أن يكون هبة من هذه الشركات بل يفتك منها افتكاكا شريطة توفر الكفاءات البحثية التونسية القادرة على ذلك وهو ما تم مثلا بالنسبة لقطاع الطاقة في المولّدات الشمسية والمولّدات الهوائية حيث يمكن القول بأن الباحثين التونسيين قد تمكنوا من التحكم في التكنولوجيا وتطويرها، حتى أن الوحدات المنتجة في هذا القطاع تعمل وتتطور دون التأثر بالتقلبات الظرفية، وهم قادرون على تعزيز خبرات مراكز البحث في هذا الميدان. لكن يتعذر النقل التكنولوجي ويصبح مجرد استهلاك للتكنولوجيا في الحالات التي يتم فيها استيراد مركبات غير شفافة من الناحية التكنولوجية مثلما حدث سابقا في قطاع الموارد المائية وتحلية مياه البحر الذي انتصب جنوب البلاد دون أن يدخل ذلك في إطار استراتيجية بحث متكاملة تراعي كل الأبعاد المعرفية والتقنية والبيئية بالخصوص. فالأقطاب التكنولوجية تكون مصدرا حقيقيا لنقل التكنولوجيا والتحكم فيها والاستفادة منها للتجديد التكنولوجي لمّا تتجمّع في صلبها الخبرات القادرة على التفاعل السريع والتجديد.

لذلك يستغرب من يتصفح التقرير لغياب قطاع الصناعات الصيدلانية - مع ما يمثله توريد الأدوية من تكاليف باهضة تثقل كاهل المجموعة الوطنية - من القطب التكنولوجي بالمنستير، المختص حسب ما ورد بالصفحة 48 في "النسيج والملابس"، في حين أن كلية الصيدلة موجودة بالمنستير مع ما يتوفر لديها من قدرات بحثية متميزة وفرق بحث متكاملة ونشيطة.

فهل وقع التفكير في تطوير مفهوم القطب التكنولوجي ليصبح بالفعل "فضاء اندماج وتكامل بين مكونات التعليم العالي والبحث العلمي والتجديد التكنولوجي والأنشطة الاقتصادية" (كما ورد في التقرير صفحة 48)، وكذلك نقطة إشعاع علمي وتكنولوجي تستغل فيه كل الطاقات والقدرات المتوفرة، وذلك بإيجاد صيغة للتعاون والتكامل والإحاطة بين الأقطاب التكنولوجية والكليات المجاورة جغرافيا حتى نضمن النجاعة والجدوى والإحاطة العلمية اللازمة للتجديد التكنولوجي المتواصل ؟

  • الملاحظة الثالثة تتعلق بالتمويل والتشجيع على البحث

نسجّـل في هذا الصدد ما أكده التقرير من زيادة في الاعتمادات المالية المخصّـصة للبحث، التي ستمرّ من 1.25 % من الناتج المحلي الإجمالي سنة 2009، إلى 1.5 % سنة 2014. ونقترح أن يتم التدرّج بهذه الزيادة ابتداء من السنة الحالية، فتكون زيادة الاعتمادات المخصصة للبحث بنسبة 0.05 % قارّة سنويا لمدّة خمس سنوات.

وقد سبق أن طالبنا في الدورة العاشرة بتوضيحات حول كيفية صرف هذه الميزانية المخصصة للبحث وما هي نسبة تكاليف التصرف الإداري فيها ؟ لكننا لم نحصل على جواب، وكذلك الأمر بالنسبة لهذه الدورة. فلم نجد في التقرير الوزاري معلومات كافية تمكننا من الإجابة بدقة عن هذا التساؤل المشروع، حتى يقتنع الجميع بسلامة التصرف في الأموال المرصودة. وحسب الأرقام الواردة في التقرير، فإن ما استنتجته شخصيّا بصفة تقريبية أن المصاريف المتعلقة بالاستثمار في البحوث التنموية، وبمشاريع البحث والتجديد، وبمشاريع البحث الإيلافية، وبمخابر ووحدات البحث، وبإحداث الأقطاب التكنولوجية، مجمّعة، لا تفوق في مجملها الـ 220 مليون دينار من جملة الـ 660 مليون دينار المرصودة بالنسبة إلى سنة 2009. أي أن ثلثي الاعتمادات تصرف لغير البحث، وأرجو أن أكون مخطئا وأن يقع التصحيح في هذه الجلسة إن أمكن، أو تقديم تقرير مفصل حول المداخيل والمصاريف المتعلقة بميزانية البحث حتى نكون على بيّـنة كاملة من الاختيارات الرسمية في هذا الخصوص.

أمّا فيما يتعلق بالتشجيع على البحث، فإنه أصبح من العاجل والأكيد التخلص من الممارسات البيروقراطية التي تعطل حركة الباحثين، والجامعيين وتعرقل مساهماتهم في الندوات العلمية، وتكبّل نشاطهم بإخضاع كل ذلك إلى سلسلة ثقيلة من الرخص الإدارية والمناشير المتعددة مع استسهال العقوبات المسلطة التي لا ينتج عنها سوى تعميق أزمة الثقة بين الإدارة والجامعيين. وفي هذا الصدد فلا بد من طيّ هذه الصفحة السوداء في تاريخ الجامعة بإلغاء كل العقوبات الجائرة التي سلطت على بعض الباحثين وحتى العمداء لأسباب تافهة لا تمت بصلة إلى الاعتبارات المهنية والعلمية والبيداغوجية، حتى تكون إشارةً واضحة من شأنها أن ترجع الثقة بين الأطراف المعنية بالتعليم العالي والبحث العلمي.

كما يتعين التقليص من آجال الدفع وصرف المنح، مع تعميمها على طلبة الدكتوراه المنتمين لمخابر ووحدات البحث وهي الهياكل الأساسية للإنتاج العلمي.

ولا بد أن تتعامل الإدارة مع الإنتاج المعرفي بتسامح ورحابة صدر وأن توفر للباحثين كل المعطيات والمعلومات دون خوف أو حرج حتى تستفيد بدورها من النقد العلمي لتحسين مردودها، مع التأكيد على أن البحث يجب أن يتمتع بهامش هام من الحرية ومن الاستقلالية تجاه الإدارة.

ومن آليات التشجيع على البحث تشريك الباحثين ضمن الهياكل الجامعية والبحثية المنتخبة في تحديد استراتيجية البحث في مختلف الميادين والاختصاصات، وتحسين الأوضاع المادية للمدرسين الباحثين والباحثين بما يتناسب مع دورهم المتجدد في التكوين والتطوير والتجديد.

  • الملاحظة الرابعة تتعلق بالتقييم

لقد لفتنا النظر في الدورة العاشرة إلى ضرورة القيام بدراسة حول مردودية البحث العلمي في بلادنا بالمقارنة مع المردودية طبقا لنفس المقاييس في بلدان أخرى. وتساءلنا عن قيمة نتائج البحث كمّا وكيفا بالنسبة إلى الكلفة وبالنسبة إلى الميزانية المرصودة لقطاع البحث. وإن لم نجد في هذا التقرير الإجابة الضافية على هذه التساؤلات، فإنه لا بد في هذا الصدد من الإشادة بالمجهود الكبير الذي قامت وتقوم به الهيئة الوطنية لتقييم أنشطة البحث العلمي وبالخصوص ما ورد في تقريرها لسنة 2009 من تقييم موضوعي لأنشطة البحث ومن توصيات هامة وأخص بالذكر ما يتعلق بالبحث العلمي الفلاحي الذي يمكن أن يستفيد من الملاحظات والتوصيات الوجيهة الواردة في هذا التقرير، ومنها بالخصوص تلك المتعلقة بإحداث مجالس (وأضيف "منتخبة") لمراكز البحث.

لكن اللافت للإنتباه أن ما طبق على البحث العلمي الفلاحي لم يعمّم على بقية القطاعات البحثية التي لم تحظ من قبلها بنفس الاهتمام (ولعل ذلك راجع إلى أهمية القطاع الفلاحي من الناحية الاستراتيجية)، وإلى غياب تقاليد التقييم المتضارب ومساءلة المعنيين قبل وضع التقارير في صيغتها النهائية. والأهم من كل ذلك، وحتى يكتمل دور التقييم الموضوعي، تنظيم ورشات أو ندوات مفتوحة حول ملاحظات وتوصيات الهيئة الوطنية لتقييم أنشطة البحث حتى لا تطغى الصبغة الإدارية على هذه التقارير، بل تتعدّى ذلك إلى عقلنة النشاط وإصلاحه وتوجيهه الوجهة السليمة التي يقتنع بها كل الأطراف المعنيون بالإصلاح.

مع شكركم على حسن الانتباه.

جنيدي عبد الجواد

نيابة عن الأمين الأول لحركة التجديد

SPIP | دخول | خريطة الموقع | متابعة نشاط الموقع RSS 2.0
Habillage visuel © Andreas Viklund sous Licence free for any purpose